عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
254
اللباب في علوم الكتاب
العليا ، وسبل اللّه كثيرة ، فهي عامّة في كلّ سبيل . قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [ يوسف : 108 ] قال مالك : سبل اللّه كثيرة ، وما من سبيل إلّا يقاتل عليها أو فيها أو لها ، وأعظمها دين الإسلام ، فلا جرم كان المجاهد مقاتلا في سبيل اللّه . ثمّ قال : « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » أي : يسمع كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد ، أو في ترعيب الغير عنه ، و « عليم » بما في ضمائركم من البواعث ، والأعراض : أنّ ذلك الجهاد لغرض الدّين ، أو لغرض الدّنيا . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 245 ] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 ) « من » للاستفهام ومحلّها الرّفع على الابتداء ، و « ذا » اسم إشارة خبره ، و « الّذي » وصلته نعت لاسم الإشارة ، أو بدل منه ، ويجوز أن يكون « من ذا » كلّه بمنزلة اسم واحد تركّبا كقولك : « ماذا صنعت » كما تقدّم في قوله : ما ذا أَرادَ اللَّهُ [ البقرة : 26 ] . ومنع أبو البقاء « 1 » هذا الوجه وفرّق بينه وبين قولك : « ماذا » حيث يجعلان اسما واحدا بأنّ « ما » أشدّ إبهاما من « من » ؛ لأنّ « من » لمن يعقل . ولا معنى لهذا المنع بهذه العلة ، والنحويون نصّوا على أنّ حكم « من ذا » حكم « ماذا » . ويجوز أن يكون « ذا » بمعنى الّذي ، وفيه حينئذ تأويلان : أحدهما : أنّ « الّذي » الثاني تأكيد له ؛ لأنّه بمعناه ، كأنّه قيل : من الّذي يقرض اللّه قرضا . والثاني : أن يكون « الذي » خبر مبتدأ محذوف ، والجملة صلة ذا ، تقديره : « من الذي [ هو الّذي ] يقرض ، وذا وصلته خبر « من » الاستفهاميّة . أجاز هذين الوجهين ابن مالك ، قال شهاب الدين وهما ضعيفان ، والوجه ما قدّمته . وانتصب « قرضا » على المصدر على حذف الزّوائد ، إذ المعنى : إقراضا كقوله : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [ نوح : 17 ] ، وعلى هذا فالمفعول الثاني محذوف تقديره : « يقرض اللّه مالا وصدقة » ، ولا بدّ من حذف مضاف تقديره : يقرض عباد اللّه المحاويج ، لتعاليه عن ذلك ، أو يكون على سبيل التّجّوز ، ويجوز أن يكون بمعنى المفعول نحو : الخلق بمعنى المخلوق ، وانتصابه حينئذ على أنه مفعول ثان ل « يقرض » . قال الواحديّ « 2 » : والقرض في هذه الآية اسم لا مصدر ، ولو كان مصدرا ؛ لكان إقراضا . و « حسنا » يجوز أن يكون صفة لقرضا بالمعنيين المذكورين ، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف ، إذا جعلنا « قرضا » بمعنى مفعول أي : إقراضا حسنا .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 101 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 143 .